Tag Archives: The Initiation

الرُّشْد

كما أوحي إلى
مارشل ڤيان سومرز
في 28 يونيو، 2011
في بولدر، كولورادو

بينما يسير العالم في شؤونه اليومية، فإنه يتوجب على الرسول البلاغ. يتوجب على الرسول أن يُبلّغ وَحْي الله الجديد، إذ أنه يحمل معه المفتاح لحياة كثير من الناس ومستقبلهم. سوف يؤتيهم الـوَحْي الجديد الـرُّشْد في ندائهم، نداءهم الأعظم، الذي لم يكن بالإمكان إيجاد سبـيله عن طريق أيّ تعليم آخر أو أيّ حقيقة أخرى.

لقد جاء وَحْي الله الجديد لإعداد العالم لما هو آتٍ من تَغْيِيرٍ عظيم، من أمواج الـتَـغْيِـير العظيمة – الـمُتَغْـيّـرات البيئـيّـة والاقتصاديّـة والسياسيّة العظيمة– والتي هي أعظم وأشدُّ بكثيرٍ مِـمّا هو في حسبان الناس اليوم.

إن كثير من الناس لفي انتظار للـوَحْي الجديد، إذ أنهم لم يجدوا الـرُّشْد في ديانات الماضي، ولا في سُنَنْ العالم. إنهم لم يكونوا قادرين على إيجاد الرابطة الأعمق من خلال الحُبّ، أو من خلال العمل، أو من خلال أيّ نشاطٍ آخر. لقد كان انتظارهم طويلاً جداً. طويلاً جداً قد كان انتظارهم للـوَحْي.

بالنسبة لهم، فإن هذا الـوَحْي ليس تعليماً أو ظاهرةً فحسب. بالنسبة لهم، إنه ليس مجرد شيء يجدوه فإن شاءوا تأمّلوه وإن شاءوا جادلوه وإن شاءوا أنكروه ورفضوه. بالنسبة إليهم، هذا البـلاغ ليس بالأمر الـمُحال ولا بالأمر العُجاب. إنه الأمر التام. إنه فاتحة رُشْدِهم. يحفظ لهم نداءهم، مخاطباً الدهاليز الأزليـة في عقولهم، مخاطباً جزءاً من أنفسهم بالكاد يعرفونه، ولكنه مركز كيـانهم وحضرتهم في العالم.

بالنسبة لهم، هذه هي اللحظة العظمى حتى لو لم يفهموا معناها الشامل أو ماذا ستتطلب منهم في المستقبل. بالنسبة لهم، هذا هو ما قد كانوا بانتظاره. لقد أرسلوا إلى العالم ليكونوا في زمنِ تحوُّلٍ عظيم. لقد أرسلوا إلى العالم ليكونوا جزءاً من بناءِ مستقبلٍ جديد. ارتباطهم للمستقبل أقوى مما هو للماضي. إنهم خَلَفُ المستقبل.

ما قد حدث من قبل، وما أُوحيّ به من قبل، قد يكون ذا إلهام لهم أو منفعة، إلا أنه لا يحمل لهم مفتاح رُشْدِهم. إنه لا يحمل لهم نداءهم الأعظم. فتلك أمورٌ لا تحمل ما قد كانوا في بحث عنه وانتظار، لمدة من الزمن طويلة. أترى، إن هذا لهو قَدَرُهُم.

إنك لن تستطيع تَغْيِـير ما قد كان كُتِبَ عليك من قبل أن تأتي إلى العالم. ومهما غَـيّـرت أحداث اليوم والسنة من أوضاعك وبدّلت من فرصك، فإن قدرك باقٍ هو نفسه. بإمكانك خوض معركة معه. بإمكانك الدخول في سجال معه. بإمكانك محاولة استبداله بمشاريع كبيرة أو قصص حُبٍّ عظيمة أو مساعٍ جليلة أو أيّ عددٍ من الملهيات أو الأوهام، لكنك لن تستطيع تبديل ما قد كان غُرِس في داخلك من قبل مجيئك.

كيف سيتم إنجاز هذا، إن كان سَيُنجَز، وأين سَيُنجَز، كل ذلك قد يتبدّل وإنه ليتبدّل بفعل أوضاع العالم المتغيّـرة وبفعل التحوُّلات التي تـَحول بين الناس وبين ولائهم لظرفهم وبيئتهم وما إلى ذلك.

إن كان هو قَدَرُك أن تستقبل الـوَحْي الجديد، عندها فلن تـقدر على إيجاد ندائك في أيّ مكانٍ آخر. حاول قدر ما تستطيع. كن عنيداً. أجحده. اعتزل. حاول أن تعثر على خللٍ فيه. حاول أن تُـقلّل من شأنه. حاول أن تباعد بينك وبينه. لكنك لن تستطيع تبدّيل الواقع، وذلك بأنه يحمل لك قَدَرَك.

لربّما تأمّل عقلك بالـوَحْي. سيتساءل. سيظن أنها أضحوكة؛ لا يُعقل. ولكن قلبك سوف يعلم. وإن روحك لسوف تُـفَعَّل. إنه نفس الصوت الذي قد تكلّم إليك من قبل أن تأتي إلى العالم، الذي كان يُـعِدُّك للدخول في هذه البيئة ذات المراس الصعب والتحدّي العسر. إنه ذلك الصوت– مثل ذلك الصوت، مثل صوتنـا– الذي يُـحْيِـي الرابطة والذي يُعيِد لحياتك نقطة ارتكازها الرئيسيّة ومعناها الرئيسي.

في لحظة وقوع الـرُّشْد، سوف لن تـفهم. مربكة جداً لسوف تكون. إنها لتختلف كثيراً عن أهدافك وأفكارك وتصوّراتك عن نفسك وعمّا تريد فعله في العالم. فجأة، وكأنك قد صُعِقت بالبرق، وللحظة في وسط الظلام، يضاء لك كلّ شيء. فترى الحقيقة بشأن حياتك وكم أنك بعيدٌ حقاً عن غايتك وندائك الأعظم، هائمٌ على غير هُدى كما لو كنت طافياً على لوحٍ من الخشب في خضم المحيط، تـتجاذبك رياح العالم وأمواجه.     

ولكن الله قد وجدك بينما أنت منجرفٍ تحت رحمة البحار الممتدّة، لقد وجدك. كبقعة ضئيلة على سطح المحيط، لقد تم العثور عليك. لقد تم العثور عليك بواسطة الـوَحْي.

وبغض النظر عن أوضاعك أو عن حالتك العقليّة، فإن النداء سيتحدث إليك، لأنه يمثّل قَدَرَك. إنه ليس بقَدَرِ شخصٍ آخر. يجب ألا تقلق على الآخرين. إنه قَدَرُك أنت.

ربّما تـقول، “ماذا عن الآخرين؟ ماذا عن زوجتي أو زوجي؟ ماذا عن أطفالي؟ ماذا عن أصدقائي الأعزاء؟”

ولكن الله قد وجد البقعة على المحيط، وتلك البقعة هي أنت. هذا هو الـرُّشْد. غيـبــيٌّ هو. لا يمكنك استيعابه بفكرك. لا يمكنك التحكّم بما يرمي إليه أو بما سيرشدك لفعله. هو في منأى عن تَـحكُّمِك لأن الله في منأى عن تَـحكُّمِك.

إن أفكارك العظيمة، ومعتقداتك الراسخة، جميعها تبدو ضحلةً وهزيلةً في وجه الحضرة. جدالاتك خاوية. رفضك لا يعكس مشاعر صحيحة. إعراضك رياء. امتناعك يفتقر إلى الاقتناع. لأن هذا هو فاتحة رُشْدِك.

ما إن يتم تـمْيِـيز الـرُّشْد، بعد شيء من الصراع، فإذا برحلة الإعداد تـَمُدُّ يدها إليك. تلك هي الخطوات إلى المعرفة تـَمُدُّ يدها إليك. حيث المنهجيّة لاسترداد حياتك الصحيحة وكلّ ما سيتطلب هذا الأمر منك من استصلاح لأوضاعك والتزاماتك الحاليّة، ستُعرض من أمامك، خطوة بخطوة.

إنك لا تستطيع الوصول إلى غايتك حيث أنت لأنك هائمٌ على غير هُدى، ولأنك لم تجد ميناءك الآمن بعد. إنك لم تجد معلم اليابسة حيث قُصِد لحياتك أن تكون.

أيّ وقتٍ هو إذن عندما تـقع عليك صاعقة الـوَحْي. خاطفةً لسوف تبدو، إلا أن كلّ شيء، ومن غير سابق إنذار، سيـبدأ بالظهور بطريقةٍ مختلفة. فلقد شهدت للتو تجربةً تسطع بنورها من بين جميع تجاربك الاعتياديّـة، وستبدأ هذه التجربة بخلق بصيرةٍ لك تحملها معك أينما ذهبت، فهذه التجربة لا يضاهيها أيّ شيء يمكنك القيام به بمفردك. إنها أكبر من أيّ تجربةٍ كنت قد حاولت الحصول عليها من قبل على الإطلاق. إنها لأعظم من أيّ هدفٍ كنت قد وضعته لنفسك من قبل على الإطلاق.

ستشعر عندها بالرعب والغلبة، بالارتباك، ولكن لا بأس. إنه أمرٌ طبيعي. أن تـتغيّـر حياتك بهذا الشكل المفاجئ، بالتأكيد سيخلق حالةً من الارتباك والتوهان. بالتأكيد سيكون الأمر مخيباً للآمال بالنسبة لوساوسك وملهياتك.

ما إن يضع الله بصمته الإلهيّة عليك، عندها فإن الأمر ليس كما لو كنت قادراً على محوها من حياتك أو حجبها أو صرفها أو شرحها أو أن تضعها في سياق المنطق كي تـتملّص من نفوذها. إنك لتدفع بالـوَحْي للدفاع عن نفسك؟

إنها ليست مصادفة أن يحدث وتلتقي بالـوَحْي الجديد أو حتى أن تسمع عنه. إن جميع قُوى السماء الداعمة لمسيرتك كانت تسعى لإيصالك إلى هذه النقطة من الإدراك وأن تمنعك من تدمير حياتك أثناء سير العمليّة، ولتحدّ من الضرر الذي قد جلبته لنفسك سلفاً ومن التلف الذي قد تسببت به مِن قَبل لعلّك تكون حاضراً وقادراً على الاستجابة.

قد يجلب لك الـرُّشْد شعوراً بقلّة الحيلة والارتباك والحيرة الكبيرة. بل قد تظنه سبب بلاءٍ عظيم. ولكن من منزلة السماء ومنظورها، فأنت المبارك من بين القلّة، أنت الشخص الذي قد أعطي الفرصة العظمى. فماذا إذن لو كان هذا يعني تَغْيِـير حياتك وأوضاعك! ما قيمة ذلك مقارنة بمعرفة حقيقتك والسبب الذي كنت قد أُرسلت لأجله؟

بلى، تلك أمور ذات أهمية بالنسبة لك في هذه اللحظة، ولعلّها ذات قيمة لآخرين مرتبطين بك. إلا أنك قد أعطيت فرصة أعظم، بل هي أعظم من فرصة- إنه نداء.

حالما يقـع هذا الـرُّشْد، فإن رحلتك ستـتغيّـر، ربّما من غير دراية منك في بادئ الأمر، إلا أن شيئاً ما قد بدّل مسيرة حياتك. لن تكون أبداً كما كنت من قبل. حتى لو كرست كل حياتك لإنكار ما قد حدث ورفضه، لن تكون أبداً كما كنت من قبل.

لن تكون سعيداً أبداً بالمتع البسيطة وحدها. لن تكون قانعاً أبداً بأهدافك أو ملهياتك السابقة، بهواياتك أو اهتماماتك. شيئاً ما قد تغـيّـر.

من منظور السماء، تلك بركة عظيمة. فقد توفر لحياتك أخيراً سبـيل الخلاص. ولكن بالنسبة لك، فقد يبدو الأمر مختلفاً جداً في لحظتها.

يجب عليك إذن الالتصاق بالـوَحْـي إن كان هذا هو سبـيـل رُشْدِك، ولسوف تعلم إن كان مستقراً في مركز كيـانك. هذه ليست مناقشةً فكريّـةً تخوضها مع نفسك. هذه ليست عمليّةً عقليّة. إذ أن عقليّة الإنسان هي مجرد آلية للتأقلم، للتعامل مع عالم متقلّب ولا يمكن التنـبّؤ به. إنه يناسب أوضاع معينة ومن غير حيلة في أوضاع أخرى.

أن تعرف الرسول هو أمر في غاية الأهمية، فإن حدث لك الـرُّشْد بينما هو في العالم، عندها فإن فرصتك ستصبح أعظم وأكبر شأنا. سيكون بلاؤك عظيم إن لم تُدرك الرسول بينما هو في العالم.

إنما يأتي الـوَحْـي كل بضعة قرون، أو ربما مرةً كلّ ألف عام، ولقد شاء القدر لتكون حاضراً هنا في مثل ذلك الزمان. من منظور السماء، تلك بركة عظيمة، إنها لمناسبة عظيمة.

ولكن من الذي يستطيع إدراك الرسول؟ ها هو يبدو كغيره من الناس. إنه لا يتألق حضوراً. لا يمتلك منصباً رفيعاً في العالم. سيختفي في وسط الحشود من الناس. سيمشي من بينهم. سوف لن يُدرِكُه أحد، ربّما سوى أولئك الذين صُعِقوا بالـوَحْـي.

بالنسبة لأولئك الذين يقابلونه، قد لا يكشف لهم الرسول عن حقيقة غايته وعمله في العالم، اعتماداً على من يكونوا. كيف من الممكن لأحدٍ أن لا يرى ذلك؟ كيف بالإمكان أن يمشي ذلك الرجل، ذو الشأن العظيم، من غير أن يُدرَك مِن قِبل أولئك الذين يقفون بجانبه؟

هذا هو مأزق العالم. كلّ لديه أعين ليرى وأذان ليسمع، إلا أنهم ينظرون باتجاه مختلف، ويسعون لسماع ما هو موجود في عقولهم، وما يؤكد ذلك الذي في عقولهم وليس ما هو موجود في الحقيقة.

وبذلك فإنهم ينظرون ولكنهم لا يبصرون. إنهم يسمعون ولكنهم لا ينصتون. إنهم يقفون بجانب الرسول، ولكنهم لا يدركون أنهم يقفون بجانب الشخص الأكثر أهميّة في هذا العالم وفي هذا الزمن!

إنه لن يقول ذلك عن نفسه أبداً. فهو أكثر تواضعاً من ذلك، فوجِب أن يقال هذا في حقه.

إنه كقرونٍ مضت. كنت تـتناول الشاي على مائدةٍ مع رسول الله مُـحمّد، ولكنك لم تكن تعرف من يكون. حسناً، إنه يبدو مثل أيّ شخصٍ آخر. إنه ليس مشعاً للحضرة. إنه ليس ذا فخامةٍ مهيبةٍ أو قُدرةٍ مُطلقةٍ حيث يُغشى على جميع من حوله بسبب حضوره. إنه مجرد رجل، يلبس لباساً تقليدياً، إنه مجرد رجل. ها هو ذا. إني أراه الآن. إنه ها هنا. لا شيء خارق. لقد اضطر لأن يَعِظَ بكلّ ما أوتي من قوةٍ كي يتمكن فقط من أن يسترعي مسمع الناس. كلّ من حوله كان أعمى البصيرة، إلا قليلاً ممن استطاعوا أن يبصروا. هكذا هي معضلة وعبء الرسول في أيّ زمان للـوَحْـي.

يبدأ الـرُّشْد بالصدمة. يبدأ الـرُّشْد بحالةٍ من عدم الرضا، والإدراك، إدراك أنك في بحثٍ عن شيءٍ ما وأنك لست قانعاً بما لديك ولا بمكانتك التي أنت عليها ولا بذلك الذي تقوم بفعله لأن ذلك لا يمثل حقيقة من تكون ولماذا أتـيت إلى هنا.

إن أولئك الذين قد ظنوا بأنهم قانعين، لم يصلوا بعد إلى العمق الكافي في أنفسهم ليستفيقوا ويستوعبوا بأنهم قد فشلوا وفرّطوا كثيراً بالمكانة التي يتوجب عليهم أن يكونوا عليها وبالأمر الذي يتوجب عليهم القيام به.

إن السعادة ليست هي الهدف، ولكنه الإعداد والتأهُّب، الاتصال وجمع الشّمل، والإسهام إلى العالم في نهاية المطاف، في أيّ مجالٍ يناسب الفرد. لذلك السبب فإن مطاردة السعادة هي خدعةٌ كبيرة، إذ سوف يسبب لك الـوَحْـي عدم الراحة. سيتحدّى الـوَحْـي حياتك.

هل تظن بأن الله سيأتي ويُـنْزِل عليك السكينة والراحة بـينما أنك مُرسَلٌ في العالم لفعل شيءٍ ما لم تفعله الآن، وليس لديك أيّ أملٍ لفعله، ما لم يُنـزَّل عليك ما هو أعظم، ما لم تُستدعى من بين الزحام، ما لم تـتبدّل رحلتك مِن قِبل قوة السماء؟

ما أنت إلا بقعة في المحيط وحسب، مجهول إلى نفسك، مجهول إلى الآخرين. حتى لو امتلكت منصباً مرموقاً أو غنمت ثروةً ومنزلةً رفيعةً في المـجتـمع، فإن طبيعة حياتك الفارغـة ستكون متغلغلة في أعماقك، ما لم تجد عملك الأعظم وتستنفذ أفضل ما لديك من قدرات لإنجاز هذا العمل.

ومن يفعل ذلك منكم فسوف يشهد الرضا والاحساس بالقيمة والقوة، وإن هذا لهو ما يفتقده الآخرون جميعاً، أيّـاً كان ما يصرحون به لأنفسهم.

سيوضّـح لكم وَحْـيُ الله الجديد طبيعة الروح الإنسانـيّة، تلك الطبيعة التي قد تم حجبها وطلائها بطلاء الثقافة وبما اتفق عليه الناس وبتلاعب السياسة. سيوضّـح وَحْـيُ الله الجديد ويؤكّد بأنك قد ولدت بعقلين اثنين– عقل دنيوي محدود بظروف العالم وعقل أعمق في داخلك لا يـزال مرتبطاً بالله. سيوضّـح وَحْـيُ الله الجديد ويؤكّد أن هنالك حدود للذكاء الفكري، وأن خارج نطاق هذه الحدود، يتوجب عليك النفاذ إلى ما تحت سطح هذا العقل.

سيوضّـح وَحْـيُ الله الجديد ويؤكّد أنك لست بقادرٍ على استيفاء ذاتك بمعزل عن عملك وقدرك الأعظم وأن جميع ما تسعى إليه من الـمُتع سيكون مؤقتاً وسوف لن يُـرضي حاجة روحك العميقة.

سيوضّـح وَحْـيُ الله الجديد ويؤكّد أنكم تعيشون في زمن تحوّلٍ عظيم، حيث إن عزلة البشريّـة في الكون قد شارفت على الانتهاء، وإن أمواج التـَـغْيِـير العظيمة ستـضرب العالم – إنه زمن ثَـوَرَان عظيم وانعدام يقين، إنه الزمن حيث يحدث فيه الـوَحْـي.

قد يسأل الناس من الرسول الأمور الكثيرة– آملين منه تحقيق الشرائع، والمعجزات، آملين التصديق بشخصيةٍ خارقة للطبيعة، آملين أن تـزدهر حياتهم بحضرته وبعمله. ستـُخَيّب آمالهم كما خَيّب الرسل السابقين آمال كثيرٍ من الناس. لهذا السبب يتم جـحد الرسل، ورفضهم، وتجنبهم، وفي بعض الأحيان، تدميرهم، وذلك لأن الناس لا تَعي مرادهم. إنهم يستقبلون فقط ما يحتاجون إليه في الواقع.

إن ما يـريده الناس وإرادة السماء لفي اختلاف كبير. ولكن إن استطعت حقاً من استبصار متطلباتك الأعمق لحياة تتعدّى حياة البقاء وتحصيل الأشياء البسيطة، والضرورية أيضاً لتحقيق الاستقرار والأمان في هذا العالم، فسوف ترى أن ما تريده أنت وإرادة السماء حقاً سواء. إلا أن هذا الإدراك يحدث فقط عند وصول الفرد إلى منزلةٍ عميقةٍ جداً من الصدق- الذاتي.

إنه من غير المتوقّع أن تكون قد وجدت ذلك حقاً حتى الآن، ولكنك أنت يا من تسمع كلماتنا قد وصلت إلى النقطة التي يمكن فيها حدوث الـرُّشْد. يجب عليك أن تصغي بقلبك، لا من خلال أحكامك وخواطر أفكارك، ولا من خلال كل المتطلبات التي تظن بأنها مطلوبة ليكون الـوَحْـي حقيقـيّاً وذو معنىً بالنسبة لك، كما لو كنت قادراً على تحديد مثل هذه الأمور.

فبالرغم من البؤس المتغلغل في حياة الناس، إلا أنهم لا يـزالون يفتقرون إلى التواضع ليدركوا بأنهم غير قادرين على تأسيس شروط الارتباط في ما يخص علاقتهم الأوليّة مع الخالق ومع إرادة السماء.

إن معتقداتك الدينـيّـة لا تستطيع حقاً القيام بذلك إذ أن الارتباط مع الخالق يحدث خارج حيز المعتقد. سوف لن يوصلك الاعتقاد إلى دارك الأزليـّة، إلى حالتك الفردوسيـّة، وذلك بسبب ضعف المعتقد ولأنه يخدم حالة مؤقتة. عندما تغادر العالم، سوف لن يكون بحوزتك أيّ معتقد. ستذهب جميعها مع ذهاب الجسد. أنت فقط ستكون هنالك، أنت كما تكون حقاً.

إن عائلتك الروحيّة سوف تـتلقّاك عندها وتسألك إن كنت قد أنجزت أموراً محدّدة، وفي ذلك الحين، بمعزل عن العبء والتأثير الأعمى لمعتقداتك، سيكون واضحاً كوضح النهار سواء كنت قد استوفيت أم لم تستوفي تلك الوظائـف الأوليّة. وليس هنالك إدانة إن أنت أخفقت. كلّ ما هنالك أن عملك لم ينتهي بعد.

يجب عليك أن تعمل جاهداً لإيجاد طريقك، طريق الرجوع إلى الجـنّـة، أرأيت. يجب عليك خدمة العالم المنفصل، الكون المنفصل. يجب عليك إيجاد طريق عودتك، من خلال الإسهام ومن خلال تطوير- الذات. لا تستطيع العودة إلى دارك الأزليـّة كشخصٍ بائس، أو متضارب، أو شقي، أو تعيس. ستبدو الجـنّـة كالجحيم بالنسبة لك إن كان هذا هو الحال.

لن يشرع الله بحلّ كلّ هذه العقد جملةً واحدة، لأن الله لم يخلقها. وجب عليها أن تتلاشى لتـفنى إلى العدم. قد وهبك الله مقدرة المعرفة، ذلك الذكاء الأعمق، وقد وهبك نداءً أعظم ليمحو بهما مأساة حياتك السابقة ووجودك السابق، ليسترجع بهما الكرامة والغاية وإنهما لحقٌ لك لتطالب بهما، والغاية التي هي حقٌ لك لتقوم بخدمتها.

كلّ ذلك يبدأ بالـرُّشْد. إن أُريد له أن يكون صحيحاً وفعالاً، فلا بُدّ أن يبدأ بالـرُّشْد. هنالك حيث يضع الله شروط الارتباط ويؤسّس البداية لرحلتك الحقيقـيّة إلى الوطن.

لا يمكنك إرجاع نفسك إلى حالتك الصحيحة لأنك لا تعرف السبيل. لا يمكنك اقتباس وصفةٍ من شخصٍ آخر وتتبعها ببساطة، لأن الارتباط مع المعرفة والحضرة يجب أن يحدث في نقطةٍ ما على محاذاة السبيل، وإلا فإنها مغامرة فكريّـة وليس رحلة للروح.

قد اقترب للعالم قضائه. ليس هنالك متسع من الوقت لتقضي عقوداً وقروناً تستكمل فيها ذاتك أو تحاول فيها استنباط معضلاتك. النداء يقتـضي الاستجابة الآن. الساعة متأخرة.

سيشكل هذا الأمر ضغطاً عليك إن أنت تمكنت من الاستجابة، إلا أن هذا الضغط سيختصر من الوقت المطلوب لاستجابتك ولإعدادك. وتلك بـركة عظيمة، إذ أن الوقت سينقلب حسرات على أولئك الذين لم يقدروا على الاستجابة.

إن الهديّـة تكمن في داخلك، لكنك لا تستطيع فتح الباب إليها. إنك لا تمتلك المفتاح. إنك لا تستطيع اكتشاف طبيعتك الأعمق لأنك لم تمتلك بعد الصورة الكاملة. إنك لست في علاقة بعد مع مصدرك لأن طبيعتك الأعمق هي علاقتك مع مصدرك. كيف من الممكن أن تجدها وأنت تعيش حياة الانفصال، تائهاً في محيطات العالم؟

إنها هديّـة الفردوس– أن يتوفر لحياتك سبيل الخلاص، ولكن يجب عليك السماح للسبـيل بأن يُعرض من أمامك. يجب أن تستجيب للـوَحْي. إن لم تكن قد استجبت لما قد أوحاه الله في السابق، عندها فإنك تـنـتـظر الـوَحْي الجديد.

وعند نقطة معينة، عند لحظة يأس أو لحظة تحرر من الأوهام، ستشعر بِـحَراك أعمق يدور في داخلك. وستُدرك بأنك قد أتـيت لغاية أعظم، تلك الغاية التي لم تكـتشفها بعد ولكنها بانتظارك، تـنـتـظر اللحظة التي يتم فيها استدعاء حياتك.