المجلس

16 شباط 2013 – بولدر – كولورادو

هاهو ذا المجلس العظيم ، هذا الحضورُ الملائكيّ الذي يُشرف على العالم اليوم كما كان قد أشرف عليه في الماضي. ولكن كم يختلف ما نقوله هنا عن أفكار الناس ومعتقداتهم. وكم هو مختلف ما نصفه هنا عن كيفيّة وصفكم لهذه الكائنات العظيمة في كتبكم الدينيّة أومن خلال شهادات بعض الناس في الماضي. ان الله لا يدبِّر شؤون هذا العالم. انه لا يدير المناخ ولا يجري الدم في العروق أو يصب المياه فوق الصخور أو يُنبت البذور في الأَرض ، اذ أن ذلك كله كان الله قد وضع له برنامجا ليعمل تلقائياً منذ بداية الزمان.

ولكن الله قد عينّ حضورا وأوكل اليه مهمّة مراقبة هذا العالم بكل ما فيه من فوضى ومآسي ووقائع تاريخيّة. وهذا الحضور يظل مترقبا ظهور أولئك الأفراد الواعدين القادرين على فعل شيء ذا قيمة في هذا العالم. كما أن هذا الحضور يتدخل عند اللزوم في شؤون العالم وخاصّة عند كل نقطة تحوّل فاصلة في تطور البشرية. وتساهم المجموعة التي يتألف منها هذا الحضور في ارسال واحد منهم الى العالم كي يقدم تعاليم جديدة وفهما جديدا من شأنه أن يغير من مستوى الوعي البَشريّ ، وكي يعدِّل ان أمكن مسار البشرية بشكل ايجابي.

انَّ من تمجِّدون من الأنبياء والقديسين والمعلمين العظماء مثل عيسى وبوذا ومحمّد قدموا من ذلك المجلس. ولكنّهم مجرد بشر أثناء وجودهم في العالم. الّا أن ما يميّزهم حقا هو أنهم موجودون هنا على الأرض من أجل أداء مهمة عظيمة ومسؤوليات جسيمة والتزامات كبيرة تجاه أولئك الذين أرسلوهم. انّ حياتهم ما هي الّا عبارة عن عدد من التجارب والاختبارات الصعبة والتي تتطلب الكثير من المشقة. ان حياتهم ليست سوى رحلة لا تتناسب مع أصحاب القلوب الضعيفة ولا أولئك الذين يتهافتون على المتعة والراحة هنا على الأرض.

ان المجلس يراقب هذا العالم مستمعا ومنتظرا الدّعاء الصادق والّرجاء الأصيل المنبعث بشكل خاص من أولئك الذين يمرّون بنقطة انعطاف وتحوّل حقيقيّ في حياتهم. وخاصة اذا كان ذلك الالتماس والرّجاء يعبر عن رغبة عظيمة في التّواصل ، رغبة ليس منشؤها الطموح الشخصي ولا الحماقة أو مجرد النزعة الى التجربة ، بل رغبة صادقة تكون بمثابة اشارة الى أن أحدهم قد أصبح مستعدا أن يبدأ يقظته. والسّموات وحدها تعرف ما تعنيه مثل هذه الاشارة. السّموات وحدها تدرك ما تدل اليه مثل هذه الاشارة وما تعبر عنه وكيف يجب اعتبارها والتعامل معها.

بالنسبة لكم أنتم الذين على الأرض وفي هذا العالم فان المجلس بمثابة السّماوات أو جنّة الخلد . انه الجسر الذي يمتد بين هذا العالم وموطنكم العريق في القدم والذي منه انبعثتم والذي اليه سترجعون في نهاية المطاف. ان كل من في العالم وكل من في الكون ممن يعيشون في حالة انفصال في الواقع المادي سوف يعود في النهاية الى موطنه الأول. ولكن الجميع أثناء وجودهم هنا ما هم الا سجناء لنواياهم الخاصة. انهم سجناء لكل اعتباراتهم وثقافاتهم وأممهم في كون يفتقد الى الحرية والتي يندر أن تجدها. ولكن كل واحد من هؤلاء قد تم ارساله الى هنا من أجل هدف عظيم. كل واحد عبارة عن احتمالية كامنة ، بذرة من الحكمة ، امكانية من شأنها أن تتفتّح لتصبح مشروع حياة عظيمة فيما لو توفّرت الظروف الصحيحة وفي ظل المعطيات اللازمة من الصدق والوعي.

في الكون توجد عوالم متعددة وفي كل عالم من هذه العوالم تتواجد كائنات واعية كانت قد وجدت امّا من الأساس أو عبر الهجرة أو الاستيطان. ولكل عالم من هذه العوالم مجلس خاص به ، مجلس كبير أو مجلس صغير ، مجلس يتناسب مع عدد الأفراد في كل عالم ومع الطبيعة والظروف الخاصة بكل أمّة والثقافة السائدة في كل جزء من الكون.

اننا نتحدث هنا عن خطة مرسومة وفق مقياس لا يمكن لكم تصوره ولا يمكن لدياناتكم تفسيره. ان علم اللاهوت لديكم ذو مجال محدود جدا ولا يتّسع لاستيعاب أمر بهذا الحجم من الأهميّة. حاولوا كما شئتم أن تقوموا بتفسّير العلامات والرّموز الخاصة بالحياة على الأرض ، فانّكم ستعجزون عن تفسير هذه الخطة. ان ذكاءكم لم يتم خلقه بحيث يكون قادرا على شرح أمر بهذا المستوى من العظمة. ولكن بالرغم من ذلك فانه في داخلكم تكمن قوّة معرفة الذات الالهيّة العظمى والتي كان الله قد وضعها في داخلكم من الأساس. ان هذه المعرفة ما هي الا ذكاء عميق لعقل أعمق. وهذا هو العقل الذي ينتظر المجلس بزوغه. لأنه اذا أصبح في امكان هذا العقل الأعمق في داخلكم أن يظهر ويتجسد في سياق حياتكم وظروفكم وان أصبح بالامكان قبوله و اتباعه وتلقّيه ، فانّكم عندها سوف تبدؤون رحلة جديدة في الحياة. عندها فقط يصبح في الامكان القول أنكم وُلِدتَم من جديد في هذا العالم. عندها فقط يصبح كل شيء حقيقيّا صادقا وله فعالية وله معنى.

ان أفراد المجلس يتابعون شؤون بعض الأفراد المحددّين والذين لهم مساهمات عظيمة في العالم. ولكن مثل هذه المتابعة تبدأ فقط عندما تقوم المعرفة الالهية العميقة داخل هؤلاء الأفراد بارسال رسالة الى المجلس. وهذه الرسالة هي ما ينتظرها المجلس عادة ويبحث عنها بين أولئك الذين يقطنون الأرض وهم في حالة انفصال.

ان الله يسمح لكم أن تختبروا حالة الانفصال. ويسمح لكم أن تختبروا المعاناة وأن ترتكبوا الأخطاء لأنكم أساسا اخترتم الانفصال بهدف ارتكاب الأخطاء ومن أجل الحصول على الحرية في ارتكاب الأخطاء. ولكن بما أنه ليس هنالك أي بديل للخليقة والخالق ، فان وجودكم المنفصل هنا على الأرض ليس بالانفصال الحقيقي بل هو انفصال جزئي. فانّكم برغم كل شيء وبكل الأحوال تظلّون مرتبطين بالخليقة والخالق. لكنّكم موجودون هنا في بيئة متغيرة ومتطورة باستمرار. أنتم موجودون في وسط تختبرون فيه حياة مؤقتة ، حياة تحفها التحديات والمخاطر ، حياة ملؤها الأخطاء والفشل كنتيجة لخلوّها من هدي المعرفة الالهية العظمى.

ان الله يسمح بحدوث كل ذلك لأنكم خلقتم أحرارا. وان لديكم الحرية أيضا في أن تحاولوا أن تتجنّبوا حقيقتكم. انّكم أحرار الى هذه الدرجة. ولكنكم لا يمكن أن تنجحوا على الاطلاق في الانفصال لأن المعرفة الالهية تعيش في أعماقكم. انها الجزء القابع في أعماقكم والذي لم يغادر الله ولم ينفصل عنه والذي لازال يستجيب الى القدرة والحضور الخاص برب الخليقة وبالخليقة ذاتها.

فكّروا بكل التعاليم الدينية في العالم وبكل القصص والروايات والأفكار المرتبطة بها. فكروا بكل ذلك في ضوء ما نقوله لكم الآن. انّنا نقدم لكم الصورة الشاملة لحياتكم بأكملها. انظروا الى النقيض وسترون بوضوح ضرورة الشروع في رحلة جديدة. انّ أفكاركم القديمة حول الدّين والروحانيّة لا يمكنها أن تخدمكم الّا بشكل محدود. ولكن بعد ذلك يصبح من الضرورة التخلّي عنها لأن الله وحده يعرف كيف ترجعون اليه. الله وحده يدرك حقيقة وجودكم ومعناه ويعرف الغرض الأساسي الذي لأجله أتيتم الى هذا العالم في هذا الوقت بالذات وضمن هذه الظروف.

اذن يجب على العقل أن ينحني ويرضخ في نهاية المطاف. اذ لا يمكنه سوى أن يكون تابعا عندما يتعلق الأمر بحقيقة أعظم منه. وهذا يتطلب الكثير من التواضع. انه يتطلب التسليم يوما بعد يوم لتلك القدرة وذلك الحضور الذي يسكن في داخلكم ، والذي لا يمكنه سوى أن يستجيب الى المصدر الذي منه بعثتم.

ان المجلس يسمح بكل ما يحصل على الأرض ولن يتدخل في أمر من الأمور الّا اذا تمّ طلب حضورهم والتماس وجودهم وتدخلهم بأقصى درجات الاخلاص في الطلب والرجاء. انهم عادة يتدخلون بشكل مباشر فقط عند بزوغ نقطة تحول فاصلة ، وعندما تكون هنالك ضرورة في تقديم رسالة جديدة الى العالم. انهم عندها يتدخلون لتزويد البشرية بفهم جديد ووعي أعظم. وهذا التدخل يأتي كرد على ظهور تغيّر ما له احتمالات مدمرة للعالم.

ولهذا السبب فان كشف الستار عن الأسرار العظيمة يحصل فقط في نقاط محددة من منعطفات التحوّل الحاسمة في تاريخ ارتقاء الحضارة البشرية. وهذه المنعطفات لا يمكن نسجها من الخيال ولا يمكن ابتكارها. ولا يمكن حتى تخيّلها بالرغم من أن العديد من الناس بالتّأكيد قد حاولوا فعل ذلك.

على كل ما سبق بُنِيَتْ التقاليد المتوارثة من جيل الى جيل. ولكن نتيجة ذلك السبب ذاته فقد فشلت جميع التقاليد والأعراف العظيمة في اتباع روح الوحي الذي وَضع في الأساس جميع المبادىء الأوليّة لهذه التقاليد ومنذ بداية تواجدها. فالله يعرف تماما أنه بدون المعرفة الالهية فان الناس سوف يقعون في الضلال اذ تتم اساءة فهم مثل هذه القضايا وارتكاب الأخطاء العديدة طوال الحياة. هذا هو الواقع المفروض عليهم نتيجة العيش في حالة انفصال.

ولكن عند الشروع في اكتشاف قدرة المعرفة الالهية وحضورها في داخلكم فانّكم عندها تبدؤون في انهاء حالة الانفصال في داخلكم – هذا الانفصال بين العقل المادي الدنيوي والفكرة التي قمتم بنسجها عن أنفسكم من جهة والذكاء الأعظم الذي يعيش في داخلكم. هذا الذكاء كان لديكم أساسا قبل قدومكم الى هذا العالم وسوف تعاودون اكتشافه ما أن تغادروا هذا العالم. وهذا يتطلب منكم الاستجابة لما يحدثه صدى الحياة في داخلكم من رنين ويتطلب أيضا التفاعل بشكل عظيم مع هذا الصدى بدلا من الاعتماد المحض على الاستجابة الى مجموعة من الأفكار الدينية أو الفلسفية في حياتكم. فالمجلس الملائكي لا يستجيب لمثل تلك الأمور. ولكن لدى وجود نقطة تحوّل عظيمة تشبه ما يحصل في العالم اليوم فان واحدا من أفراد هذا المجلس سوف يأتي الى العالم. سوف يتم ارسال واحد منهم وسوف يكون عليه الصبر على المحنة المترتبة على كونه رسولا. وسوف يختبر هذا الرسول مصاعب عظيمة وحياة يكتنفها الغموض و الابهام والريبة ، وسيرافقه حضور عظيم طوال فتره نموّه الى أن يصبح انسانا راشدا. ولكن في البداية لن يكون هذا الرسول مدركا لهذا المصير الذي ينتظره ولا الهدف من وجوده الى أن تتم دعوته أخيرا كي يباشر في أداء رسالته.

لا يمكن لأحد أن يفهم تماما حياة الرسول ، ولكن بامكان أي أحد أن يتلقى هبات الرسول والتي هي عبارة عن هدايا أعظم مما يمكن لأي شخص أن يقدّمه للعالم. انها هدايا ذات نفع دائم وهي قابلة للانتشار في كل مكان. انها هدايا أكثر قوّة و الهاما مما يمكن لأي شخص أن يخترعه أو يختلقه.

قد يمتلك الناس بعض الأفكار المقنعة ولكن لن تكون بينها أية فكرة من شأنها أن تغير حياة انسان تغييرا جذريا وبشكل جميل وعفوي. لا يمكن لمثل هذا الشيء أن يحصل عبر أي مصدر سوى المصدر الالهي. لا بد لمثل هذا الشيء أن يحصل عبر المجلس المسؤول عن تفسير الادارة الالهية. لأن رب الكون أعظم من أن ينشغل بهذا العالم حصرا. ان الرب مسؤول عن المجرات التي لا تعد ولا تحصى والخليقة التي تتجاوز حدود هذا العالم المادي والتي هي أعظم بكثير من أن تُفهم بالكامل بكل اتساعها وامتداد نطاقها. لا يمكن بسهولة استيعاب كيفية احتوائها جميعا بكل عظمتها واتساعها ضمن منظومة الحياة. ان هذا الرب المتخصص بالبلايين والبلايين و البلايين من السلالات والأعراق يتجاوز كل ما تم وضعه من مبادىء وعقائد لاهوتية دينية في هذا العالم. و ان كل ما ورد يندرج ضمن الوحي الالهي الجديد لأن البشرية في طريقها الى الانضمام الى حيز المجتمع الأعظم للحياة في الكون ، وعليها الآن أن تبدأ في التفكير بالله عبر نظرة أكثر شمولية ووفق “بانوراما” أعظم بكثير مما يدركه العقل البشري الآن. ومن أجل فهم ما يفعله الله في الأرض يجب الوصول الى فهم ما يفعله الله في الكون كله.

انها المرة الأولى في تاريخ البشرية التي تكشف فيها هذه الأسرار للبشرية التي تقف على عتبة الفضاء. تٌكشف هذه الأسرار لبشرية مشرفة على تدمير البيئة في عالمها وتقود نفسها نحو الدمار الكامل والمصائب الجمّة. تعد هذه العتبة والتي تنذر بفاتحة عهد جديد أعظم ما واجهته البشرية في تاريخها كله الى اليوم ويترتّب عليها أضرار لا مجال لحصرها.

سوف يتغيّر كل شيء في المستقبل تماما كما أن كل شيء قد بدأ يتغير الآن وابتداء من هذه اللحظة. وكنتيجة لنقطة التحول الفاصلة هذه فان الله قد أرسل عبر الحضور الملائكي للمجلس وحيا جديدا للعالم ، وحيا عن الحياة في الكون وطبيعة عمل الله في كل مكان. وهذا الوحي الجديد لا يتخذ كقاعدة له قبيلة من القبائل او منطقة بعينها ولا يكتفي بالاعتماد على ظاهرة طبيعية معيّنة أو التمحور حول التاريخ المحدود لمجموعة من المجموعات أو أمّة من الأمم. ولكن هذا الوحي معني بالحياة بأكملها ومعني بواقع الحياة في كل مكان في الكون.

هذه البانوراما الشاملة العظمى تقدم لكم فرصة ثمينة في سبيل ادراك عظمة القدرة والحضور الذي يعيش في داخلكم ، وتشجع على استخدام العقل لدعم هذا الادراك. اذ أن العقل قد تم خلقه من أجل الوصول الى اليقين وهذه أفضل خدمة يمكن أن يؤديها العقل لأجلكم.

لن يكون في الامكان معرفة أفراد المجلس بالرغم من أنهم قد يكشفون اسما ما لأحدهم في لحظة ما لمساعدة هذا الشخص على الاستجابة. ولكن معرفة أسماءهم ليست بذات أهمية لأنهم بقدر ما يمكن النظر اليهم كأفراد الّا أنهم في الوقت ذاته واحدا. من الممكن اعتبارهم كأفراد وكواحد في الوقت ذاته ، وهذه الظاهرة لا يمكن ادراكها بالعقل الذي لا يمكنه أن يفكر بأي شيء اكبر من الأشياء الموجودة في هذا العالم.

عندما يتم كشف الوحي العظيم ، فان المجلس يتحدث بصوت واحد. بالرغم من أنه يتحدث عبر واحد من أفراده الّا أنهم يتكلمون في آن واحد. وهذه ظاهرة لا يمكن أن تخطر الى بالكم. انها ظاهرة بديعة في اعجازها حقا. انها ظاهرة خارقة وغير عادية وتعبر عن نفسها بشكل يتجاوز حدود مفاهيمكم عن الحقيقة تجاوزا كاملا. قد يكون ممكنا ان تتخيلوا العديد من الأفراد في الكون ولكن المجلس عبارة عن شيء واحد من جهة وعن شيء متعدد من جهة أخرى ، لأنهم قريبون جدا من الفردوس حيث المتعدد يعتبر واحدا وحيث الواحد يعتبر متعددا.

ولكن ذلك لا يعني أن يتحوّل كل تركيزكم في الحياة على المجلس ولا أن تصبحوا في حالة افتتان وولع بالمجلس. اذ أن الهدف الأساسي للمجلس هو مساعدتكم على استرداد المعرفة الالهية التي تقبع في داخلكم. وأنتم الذين يجب أن تختاروا القيام بهذا الهدف برغبتكم. أنتم من يجب أن يواجه النتائج أو الصعوبات أو حتى البركات الناجمة عن قراراتكم. أنتم من يجب أن يختار اما استقبال أو رفض هذا العرض العظيم. أنتم الذين يجب أن تكونوا مسؤولين مسؤولية كاملة عن كل شيء تقومون به . لذلك تجنبوا التجول هنا وهناك وأنتم تخبرون الناس أن الله هو الذي يهديكم لفعل هذا وفعل ذاك ، لأن ذلك يعني عدم الاحساس بالمسؤولية. على كل واحد أن يقول : “أنا الذي أفعل هذا وذاك لأني أشعر أن هذا هو ما يجب فعله ” . على كل واحد منكم أن لا ينسب ما يفعله الى أي سلطة أخرى غير ذاته اذ كيف يمكن لأحدكم أن يكون متأكدا من أي شيء آخر.

لن يكون ممكنا معرفة المجلس ولا معرفة الحضور الذي يعيش في داخلكم قبل تفعيل المعرفة الالهية داخلكم وقبل أن تبدأ هذه المعرفة في الانبثاق بقوة في حياتكم. واحذروا أن تنسجوا قصة رومانسية حول تجربتكم الملائكية مهما كان نوعها ، وسواء كانت حقيقية أو مبتكرة لأن أهم ما في الأمر هو انبثاق المعرفة الالهية في داخلكم. هل هذا مفهوم ؟ هذا هو فقط ما يفهمه المجلس والى أن يحصل ذلك فانه لن يكون ممكنا الاعتماد عليكم. لن تتمكنوا من التحلي بالمسؤولية الكاملة ولا الشجاعة ولا الصدق كما ينبغي بدون انبثاق المعرفة الالهية في الداخل. بدون هذه المعرفة سوف تكونون دوما عرضة لكل ما يصادفكم في هذا العالم من محاولات اقناع وسوف تكونون ضحية مخاوفكم وكل ما يتم تفضيله أو عدم تفضيله من خيارات متاحة. سوف تكونون في حالة ضعف شديد.

ولهذا السبب من المهم الارتقاء في الداخل عبر عملية تحول عظيمة لا يمكن أن تبدأ سوى عبر المجلس. لا يمكنكم الشروع في مثل هذا التحول بالاعتماد على أنفسكم. من الممكن أن تتأملوا طوال عشرين عاما متواصلة دون معرفة شيء عن هذه السلطة ، هذه الحضرة التي نسميها المعرفة الالهية. أما الآن فان ما يجذب المجلس الى أحدكم هو قوة الدعاء والصدق و الالحاح في الدعاء. عليكم أن تصلّوا ليس لأجل الحصول على مزايا أو لمجرد الحماية من الأذى. عليكم أن تصلّوا من أجل الخلاص ، حتى وان كنتم لا تعرفون بعد معنى الخلاص ، ولا داعي لمحاولة فهم معنى الخلاص. عليكم بالصلاة والدعاء وأنتم متجّردون من الاعتقاد بأنكم تعرفون كيف تطهرون أنفسكم. وحده المجلس يعرف كيفية ذلك. أليس هذا بالشيء المذهل حقا! انها أعظم معجزة. انها المعجزة التي تخلق المعجزات الأخرى.

هاهو ذا الله قد أرسل رسالة جديدة الى العالم لتهيئة البشرية لمواجهة تجارب وخبرات وبيئات جديدة في العالم ، وكذلك لمواجهة التحدي الأكبر اللازم لحماية وتوحيد الحضارة البشرية. لقد أرسل الله الوحي الجديد الى العالم كي يعدّ البشرية الاعداد المطلوب لمواجهة الحياة في الكون. ان هذا الحدث هو الأعظم في التاريخ البشري ، انه الحدث الذي ينطوي على أعظم التحديات والصعوبات والفرص للعائلة البشرية.

هاهو الرسول في الدنيا وعلى الأرض. لقد كان يستعدّ منذ زمن طويل لتلقي الوحي وهذا الوحي هو الوحي الأعظم الذي تم تقديمه للبشرية الى اليوم. وها هو الوحي قد تم ارساله الآن الى عالم مثقف ، عالم غير أميّ ، عالم العولمة للاتصال والتواصل ، عالم ينتشر فيه وعي مقبول الى حد ما. انها المّرة الأولى في التاريخ التي يتم فيها ارسال رسالة للعالم بأجمعه في مرة واحدة. اذ كان يجب أن تصل هذه الرسالة الى العالم في وقت قصير من الزمن من أجل اعداد البشرية للتغيير العظيم الذي سوف يشهده العالم ولتهيئة البشرية كذلك لفهم المغزى من مواجهتها للحياة الذكية في الكون وهذه المواجهة قد بدأت مسبقا ونرى أثرها على الأرض من الآن.

لا يمكن لأي وحي تمّ ارساله في الماضي أن يعدّكم لمثل هذه الأمور اذ أن مثل هذا الاعداد لم يكن ضمن الهدف ولا المقصد وراء كل ما أتى في الماضي. ان كل ما أٌرسِل في الماضي من وحي كان الهدف منه بناء الوعي البشري وبناء الحضارة البشرية والضمير البشري وكذلك ارساء الأخلاق التي من شأنها أن ترشد البشرية الى المزيد من الاتحاد والقوة في العالم. وها قد تم الانتهاء من انشاء الحضارة البشرية وبالرغم من أنها غير كاملة ومليئة بالفساد والانقسامات والأخطاء ولكنها مع ذلك تبشّر بالخير الى حد ما ، خاصة اذا تمت مقارنتها بظروف الحياة في الكون حولكم. عندها فقط سترون كيف أن الحضارة البشرية واعدة الى حد ما. ولكن ليس في الامكان رؤية ذلك الآن. ولا يمكن رؤية ذلك بوضوح الا من موقع أعلى بكثير مما أنتم عليه الآن. ولكن المجلس يستطيع رؤية كل شيء بالطبع ولهذا السبب فانه يركز باهتمام كبير على العالم في الأرض وعلى تهيئته للوصول الى مستوى هذه العتبة العظيمة. وها نحن هنا نقدم الكثير مما يجب معرفته عبر سياق هذا الوحي.

ان الرسول يواجه صعوبات جمّة. انه يواجه نفس الصعوبات التي واجهها الرسل في الماضي مثل عدم التصديق والتكذيب والعدوانيّة والرفض من الآخرين والسخرية والتهكم. يصعب على الناس أن يقتنعوا بأن هذا الحدث الأعظم في العالم قد بدأ يأخذ مجراه بينهم وفي وسطهم. يعتقد الناس أن كل ذلك ما هو الا مجرّد انتهاك لأفكارهم وتحدّي لمعتقداتهم. انهم يعتقدون أن ذلك قد يقوّض من ثرائهم وسلطتهم ومقامهم في العالم. لكن الحقيقة هي أن ذلك كله يبشّر باقتراب الخلاص و يهيّء لمستقبل لا يشبه الماضي في شيء ويختلف عنه بأكثر من شكل.

ان المجلس يراقب الرسول ويرشده لأن أهميته في العالم لا يمكن الاستهانة بها. ولكن أيضا لا يمكن المبالغة في تقدير أهميته. سوف يتكلم المجلس عبره كي يوصل الوحي الى العالم الأرضي. سوف يتكلمون كواحد لأن الرسالة هي كل شيء بالنسبة لهم. و اذا أمكن لعدد كاف من الناس التعرّف اليها وفيما اذا استطاع هذا العدد الكافي من الناس أخذها بعين الاعتبار و اتباعها فان البشرية سوف تتمكن عندها من انقاذ نفسها من التفتت والانحلال والحروب والصراعات التي لانهاية لها وتتوجه بدلا عن ذلك نحو بناء أسس جديدة للمستقبل.

لقد قدّم المجلس للبشرية رؤية جديدة لهذا العالم الأعظم المنتظر. ولكنه بالتأكيد سوف يكون عالما مختلفا جدا عما سبقه. وسوف يتطلّب بناؤه الكثير من القوّة والشجاعة و الصدق ، وهذه الخصائص سوف تَلزم أيضا من أجل الحفاظ على هذا العالم الجديد في كون يمتلك الكثير من القوى ذات النفوذ والتأثير ولكنه يفتقد الى الحرية. ان الله وحده فقط يعرف كيفية تحقيق ذلك كله. والمجلس وحده هو الذي يفهم هذه الأمور.

ان مهمّتكم الآن هي أن تتعلّموا كيفيّة استقبال و اتباع الخطوات نحو المعرفة الالهية ، بحيث يصبح ممكنا ايجاد قاعدتكم الحقيقيّة في الحياة كي ترتكزوا عليها. وان مهمّتكم الآن أيضا هي أن تنجحوا في تحدي كل ما تتعلقون به من أفكار وفي ايجاد حلول لكل مآزق الماضي. عليكم أن تسامحوا أنفسكم وتسامحوا الآخرين وأن تنظروا الى العالم بدون رفض ولا ادانة ، لأن هذا هو العالم ذاته الذي سوف ينبش من داخلكم في الوقت المناسب كلّ المزايا والمواهب العظيمة لديكم ويطلق الدور العظيم الخاص بكم.

هنالك الكثير مما يجب التخلّي عنه من أفكار قديمة ، والكثير مما يجب اعادة النظر فيه. عليكم أن تكونوا متواضعين بما يكفي للقيام بكل ذلك. ان كنتم تعتقدون أنكم تعرفون الحقيقة ، أو تعتقدون أنكم تعرفون مشيئة الله ، أو أنكم تعرفون ماهية الكون ، فانّ فرصَكم في اكتشاف الحقيقة سوف تصبح عندها ضئيلة جدا.

ان المجلس ينظر الى العالم بعين الرعاية والاهتمام. فادعوا المجلس في الحاح وليس بشكل عرضي أو كيفما اتفق لأنهم عندها لن يسمعوكم. ادعوا المجلس ليس لكي يحقق لكم طموحاتكم وأحلامكم وأوهامكم لأنهم عندها لن يسمعوكم. عليكم أن تصلّوا صلاة نابعة من القلب والروح. عندها فقط يمكن لصوتكم أن يصل اليهم لأنهم لا يعرفون أي شيء سوى كل ما هو حقيقي وصادق ونقي. فمن غير الممكن التلاعب بهم ولا رشوتهم ولا التأثير عليهم. لا يمكن التعامل معهم كما يتعامل السمسار. عليكم أن تمتلكوا القوة الكافية لاستقبال مشورتهم في الوقت المناسب وتنفيذها بدون مهادنة ولا تحريف أو تشويه. هكذا يجب ان تكونوا وبمثل هذه القوة من أجل أن تصبحوا جزءا من قوّة عظمى مسخرة لحلول الخير والصلاح في العالم.

قد يقول بعض الناس في أنفسهم : “يا الهي ، هذا كثير جدا علينا ولا يمكن حتى التفكير به. هنالك تحديات كبيرة جدا علينا “. ولكن نحن نقول ” لا ” ليس الأمر كذلك. ان ما نقوله لكم الآن يتناسب جدا مع امكانياتكم ويتناسب أيضا مع الهدف الذي من أجله تم ارسالكم الى العالم. كما أنه يتناسب أيضا مع من أرسلكم الى هنا. لقد اعتدتم أن تفكروا بأنفسكم بشكل فيه احتقار لذواتكم. انكم تحطّون من شأن أنفسكم بشكل مثير للشفقة عندما تفكرون بهذا الشكل. انكم لا تعرفون بعد نقاط قوّتكم ولا مقدراتكم ولا الهدف من وجودكم. وحدها المعرفة الالهية في داخلكم قادرة أن تطلعكم على كل ذلك.

ان المجلس يراقب وينتظر أولئك القادرين على الاستجابة الى الرّسالة التي يرسلها الله الى العالم في هذه اللحظة بالذات. وهاهو الرسول قد أتى كي يتكلم ، كي يصرّح بالرسالة علنا وكي يعلّم ما أُوحى اليه. لقد ظلّ الرسول بعيدا عن الأنظار لفترة طويلة الى أن أضحت الرسالة تامة كاملة. والآن هاهي الرسالة التامة الكاملة موجودة في عالم في أمس الحاجة اليها. ان حاجة العالم الى الرّسالة تفوق كل ما يمكنكم ادراكه في هذه اللحظة. وان الرسول يمثل المجلس بالرغم من أنه بَشَر وبالرغم من أنه لا يدّعي الكمال اذ أنه قد ارتكب بعض الأخطاء ولكن جميع الرسل العظام ارتكبوا بعض الأخطاء. ان مصدر قوته هو القدرة الالهية في داخله. ان القوة الالهية السماوية هي اللواء الذي يحتمي تحته والدرع الذي يقيه. من الممكن ابادة جسده ولكن ليس ممكنا ابادة الرسالة. لا يمكن هدم الرسالة التي يحملها الى العالم ولا تدمير القدرة أو الحضور الذي أرسله الى هنا. انهّا ذات القدرة وذات والحضور الذي ينتظر منكم الاستجابة. فالهِبَة الآن موجودة أمامكم والسّموات تراقب وتنتظر لترى من سيكون في امكانه قبول هذه الهبة ، من يقدر أن يتعرّف اليها ، من سيكون في استطاعته أن يتّبع الخطوات نحو المعرفة الالهيّة ويستقبل هذه الهديّة التي تبشّر بحياة أكثر عظمة و اشراقا في عالم يصبح يوما بعد يوم أكثر ظلاما وريبة.